كوب قهوة أوشك على الانتهاء، مثلما أوشكت شمس الغروب أن تختفي خلف شواطئ البحر الأحمر. أجلس على الطاولة الدائرية في مقهى خالٍ؛ لا أحد حولي، فقط أنا وقهوتي وهاتفي وأشعة الغروب.

مشهدٌ يعدّه البشر أحد أجمل الظواهر الطبيعية، غير أنّه لم يعد كذلك بالنسبة لي منذ اللحظة التي جلستِ فيها في الجهة المقابلة. منذ تلك اللحظة خرجت الشمس من الصورة، وأصبح دورها الوحيد أن تزيح الظلام من حولك وتسلّط ضوءها — بكل خجل — على تفاصيلك: عينيك، ابتسامتك، وتعابير وجهك أثناء حديثك مع صديقاتك. كنتِ الشخصية الأساسية في مشهد الغروب.

وأما أنا يا سيدتي، فأنا ذلك الشخص البسيط في الجهة المقابلة، أسترق النظر مع كل فرصة متاحة. ومع كل مرة أرفع فيها عيني نحوك، أكتشف أنك أجمل من المرّة التي سبقتها. وفي اللحظة التي التقت فيها النظرات، نظرتُ إليك وتمنّيت لو أستطيع أن أستأذن منك لأرسم هذا المشهد في مخيلتي، وفي الصفحة الأولى من دفتر ملاحظاتي.

وحين أدركت أن مخيلتي أصغر من أن تحتوي تفاصيلك، قررتُ المغادرة بعد أن أخذتُ معي صورة أخيرة لك: ابتسامة لطيفة، وعينان مقوّستان، وحجابٌ تترامى خيوطه على ملامحك. أخذت صورتك… وبقايا شتاتي… وغادرت وأنا في حالة من عدم الاتزان، حتى بدا الوصول إلى وجهتي مهمة مستحيلة.

وصلت أخيرًا، وبقيت جالسًا خلف مقود السيارة أفكّر كيف أن كل شيء بدا حولي بلا ألوان؛ الأشياء صامتة، لا شيء ينسجم مع شيء. وقبل أن أهمّ بالمغادرة، خرجتِ… وأعدتِ ألوان الحياة لكل ما حولي. ثم غادرتِ، وتركتِ في داخلي سؤالًا بسيطًا:

كم نحن ـ نحن البشر ـ أغبياء حين نعتقد أن الشروق والغروب والمطر والبحر هي معايير الجمال؟

أعتقد، يا سيدتي، أن البشرية ستعيد تعريف الجمال يومًا ما،وأنك — بلا مبالغة — أجمل من كل الظواهر الطبيعية المعروفة.


Coffee location

12/12/2025

You’ve successfully subscribed to ضياع
Welcome back! You’ve successfully signed in.
Great! You’ve successfully signed up.
Your link has expired
Success! Check your email for magic link to sign-in.