غرقٌ ودموعٌ في ظلمة الليل، وكفوفٌ مجعدةٌ ممدودةٌ نحو السماء فوق سجادةٍ ابتلّت بالرجاء. تدعو خالقها لا لنفسها، بل لأغلى ما تملك: أبناءٌ صالحون، وزوجٌ بكامل صحته وعافيته.
لكنّ القدر شاء أن يترجل شريك دربها، لتجد نفسها على سرير الوحدة، غريبةً في قلب منزلٍ يتنفس الذكريات؛ بيتٌ يرتبط كل ركنٍ فيه بشخصٍ شاركته العمر بجميع تفاصيله. لم تتملكها "الأنا" يوماً، بل كانت تُقَدِّم راحته على كل شيء.
وفي ذلك اليوم، بدت الخسارة وكأنها سلبٌ لكل شيء... انطوت الأحلام، وعادت أرملةً وحيدة في غرفةٍ مظلمة، لا يلتف حولها على تلك السجادة المبتلة سوى ذكرياتٍ مشوشة لروحٍ كانت تُصارع الموت على سريرٍ متحرك. غادر الزوج وتَرَك خلفه روحاً مجهَدة تقتات على الذكريات وتحنّ للماضي، لكنها لم تتوقف؛ تدعو ربها أن يرفق بروحه، ليكون رفيقها بعد الممات، وشريكها في جنات الخلود.
أمي الحبيبة...
أنتِ مثَلي الأعلى في الوفاء والتضحية. قدمتِ كل ما تملكين في سبيل أن ننعم بحياةٍ كريمة ومستقبلٍ مشرق، وتقف كل كلمات الأرض عاجزةً عن وصف حجم الامتنان لكِ.
أفهم ثقل الفقد، وأدرك أن الخسارة أكبر من أن تُقاس، لكنّ الحياة وإن أخذت منكِ شريك العمر فقد أورثتكِ أبناءً يرخصون أرواحهم في سبيلك، يحفظون الجميل ويردون المعروف. لقد كنتِ السند الذي يحمل والدنا في أشد لحظات ضعفه وهوانه لحظاتٌ أراهن أن معظم من حولكِ، حتى من هم من صلبكِ، لم يعلموا بحجم ثباتكِ فيها.
أمي... أنتِ لم تخسري كل شيء، فقد زرعتِ وفاءً حصاده نحن، وسنبقى لكِ السند والظل.