عندما كان صغيراً، كان يظن أن العالم كله طيب، وأن الناس جميعاً يحبونه. كانت ضحكته تملأ البيت، وكان يعتقد أن الحياة سهلة، وأن كل يد تمتد إليه هي يد حنونة صادقة تريد مصلحته.
لكنه كبر، واستيقظ على واقع مرير.
صدمته الحياة بقسوتها، واكتشف أن ذلك الحلم الوردي لم يكن إلا كذبة كبيرة. رأى كذب البشر، وزيف وجوههم، وتبخرت براءته أمام استغلالهم وتلاعبهم. في تلك اللحظة، انطفأ النور في قلبه، وبدأ الخوف والشك يتسللان إليه. صار ينظر إلى الجميع بعين الريبة، ويشعر أن كل من يقترب منه

بلا استثناء

يرتدي قناعاً ويخفي خلف ابتسامته نية خبيثة للتلاعب به وأذيته.
كلما ضاقت به الدنيا، وكلما اشتعل الغضب والغل في صدره من نفاق هذا العالم، كان يركض إلى مكان واحد... إلى الحضن الوحيد الصادق الذي يهدئ روعه ويشعره بالأمان؛ حضن أمه.
لكن حتى هذا الأمان لم يدم.
وقف أمامها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، انحنى عليها والدموع تحرق عينيه، وهمس في أذنها بكلمات الشهادة بصوت يرتجف. وبيديه هاتين اللتين لم تؤذيا أحداً، وضعها تحت التراب وودعها الوداع الأخير. مع كل حِفنة تراب كان يرميها فوقها، كان يدفن آخر قطعة من قلبه.
خرج من المقبرة شخصاً آخر، يحمل في صدره قلباً طيباً تم خذلانه حتى تفحم، فصار مستعداً لإنهاء كل شيء فقط ليحمي ما تبقى من كرامته.
نظر إلى العالم حوله بنظرة أخيرة ملؤها الحقد واليأس، وقرر ألا يمنحهم متعة استغلاله بعد الآن. أشعل النيران في كل ما يملك، ترك النيران تلتهم ذكرياته، وأحلامه الميتة، وجسده. وقف في منتصف اللهب وهو يرى كل شيء يحترق ويدمر من حوله، شاعراً بالراحة لأول مرة منذ سنوات. لقد أحرق نفسه والعالم معاً، مفضلاً أن يتحول إلى رماد تذروه الرياح، على أن يترك لقلبه الطيب فرصة واحدة ليتعرض للطعن أو التلاعب من جديد.