أمتد وأحلم، أرسم الأماني وأشيّد التطلعات، أخطّ الحروف وأحاول قسراً صياغة قدري. لكنني أتعثر، أسقط في منتصف المسافة، وتتبدد أحلامي كأنها لم تكن.
وحين أظن أنني تجاوزت القاع، تطرق الخيبة الباب من جديد، أشدّ ضراوة وأعمق أثراً. ينكشف الأفق عن ضياعٍ ثقيل، أسير فيه بلا بوصلة، أراقب انطفاء كل الملامح، حتى استحالت الرحلة دائرة مغلقة من السعي والانهيار، وأصبحتُ واقفاً عند النهاية، أسيراً لضياعٍ يمتلكني بلا هوادة.
وعلى مسافة من هذا الانكسار، يقف هو... كاملاً تحت أشعة الشمس الدافئة.
النور يغمره، والوضوح يلفّ خطواته، يستريح في ضوءٍ لم يتذوق يوماً مرارة ظلي. يمدّ يديه من هناك، يحاول قسراً أن ينتشلني بأسلوبه، يربك عتمتي بدفعاتٍ متكررة يحسبها خلاصاً، وهو يجهل تماماً حجم الثقل الذي يرتكب في داخلي. كان يظن أن المسألة مجرد بقعة شمس تلامس وجهي لتكسر الجمود، دون أن يدرك أن جراحي أعمق من أن تطببها حلوله السطحية، وأن معاناتي عالمٌ لم يطأه ولم يفهم اتساعه يوماً.
وفي لحظة الاختيار الأخيرة، حين أدركتُ استحالة الفهم بيننا، أدرتُ ظهري للضوء.
أفلتُ يده الممتدة التي لا تعي حقيقة تعبي، وأتراجع خطوة إلى الخلف، مبتعداً عن حافته المضيئة الغريبة عني. أستسلم للثقل الذي يفهمه قاعي فقط، وأفضل الغرق الكامل في بحيرة الضياع. أدع المياه المظلمة تطبق عليّ، تبتلع الصوت وتطمس الملامح، أغطس براضٍ مجهد، أراقب من تحت سطحها العميق شعاع الشمس الذي غمره، يزداد ذبولاً وبعداً كلما هبطتُ أكثر... حتى يغدو مجرد نقطة دافئة في ذاكرةٍ لم تعد تعنيني.